القلب السليم

من Jawdat Said

اذهب إلى: إبحار, بحث
مقالات ذات صلة
......................
انقر هنا لتحميل المقالات (Doc)

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

كيف نحقق سلامة القلب؟ كيف نخرج المرض من قلبنا؟ يفيدنا في هذا الموضوع المقاربة بين المرض الجسدي والمرض الفكري، ونحن أحوج ما نكون لإجراء هذه المقاربة، حيث إن الطب الجسدي تقدم بشكل سريع وسابق وتوسع وتعمق، ولايزال حتى صار عندنا اختصاصيين في أمراض القلب وكشف عللها، بإرسال المريض الى فحص القلب وتخطيطه، وكشف الخلل الذي يمكن أن يكون حدث له، وملاحظة بوادر المرض أو تقدمه، فهل عندنا علم متقدم مقابل ذلك لأمراض القلب الفكرية، خاصة القرآن حين يتحدث عن مرض القلب لا يقصد أبداً المرض الجسدي، وإنما المرض الفكري، غياب المعرفة أو المعرفة الخاطئة، إن الأمراض الجسدية حين كانت مجهولة الأسباب، كانت الأمراض تأتي وتحصد الناس، والناس ليس عندهم معرفة بأسبابها، وإنما كان عليهم أن يتقبلوا النتائج المريعة بالصبر والتسليم، ولكن لما كشف الناس أسباب الأمراض من الجراثيم الناقلة للمرض، عرف الناس كيف يواجهون الأخطار على نور وبينة، ولا يزالون يتقدمون بخطىً واسعةً في تحقيق الصحة الجسدية، التي تمنح الشخص عمراً مديداً حيوياً منتجاً، فيا ليتني أتمكن من نقل هذا الكسب الذي حصل في فهم عوامل الصحة الجسدية، الى فهم عوامل الصحة النفسية أو الصحة القلبية، إن القرآن استخدم المرض القلبي فيقول: (في قلوبهم مرض).

ويفيدنا في هذا الموضوع أن نعرف كيف بدأ الخلق؟ خلق المرض أو بدء خلق المعرفة للأمراض الجسدية أو النفسية، وفوكو انطلق في نقد الحداثة، بدراسة تاريخ الجنون وولادة العبادة، إنه لشيء ممتع متابعة كيف بدأ الخلق، وكيف نما ببطء شديد، يقول: في بداية القرن التاسع عشر ظهر الاستنكار الشجاع عن إدراكنا فجأة بأن المجانين والمجرمين حبسوا بلا تمييز معاً… وهذا التمييز يرجع الى مئات الصرخات الاحتجاجية المتعثرة.

أولاً احتج أهل الفكر المسجونون لجرم ما على الخلط بين المجرم والمجنون، وطالبوا لمصلحتهم بالفصل لم يطالبوا بالإفراج عن المجانين، طالبوا بالفصل خشية أن يفقدوا هم أيضاً صوابهم، إن استراتيجية العلاج كانت تقوم على جعل كل مسجون أو مريض يقر بذنبه ومسؤليته، ويستلزم ذلك مجموعة كاملة من الأجهزة المؤسسية، إن المريض يعتبر مسؤولاً عن مرضه، والتدخل العلاجي على شكل عقوبات، هدفه حمل المريض على أن يعي وضعه كفرد مسؤول عن أعماله، الى أن يراقب نفسه بنفسه، وما أن يتم سياق الاستيطان هذا حتى يشفى المريض، هذا على الأقل ما تزعمه النظرية... ثم ينتقل فوكو من المؤسسة الى مستوى من التحليل يقع في أسفل المؤسسة، يحاول أن يثبت بأن مفاهيم المجتمع والثقافة كنظرة الى العالم والفرد، تنجم عن تغيير واسع يتهيأ منذ وقت طويل في العلاقات بين الخطايا والسلطة. يشدد فوكو على الاستقامة الخلقية لشخصية الطبيب، أكثر منه على الكفاية العلمية، ولم يكن يتدخل الطبيب باسم علم ومعارف موضوعية، وإنما بوصفه حكيماً، ويدافع عن فكرة أن العلوم الإنسانية لم تيسر إلا قليلاً قيام معرفة موضوعية للكائن البشري... لماذا وكيف انتهى هذا الضعف العلمي الى أن يكون عنصراً أساسياً من عناصر السلطة الحديثة؟

إذا كان بوسع الشخصية الطبية أن تحيط بالجنون فليس لأنها تعرفه بل لأنها تسيطر عليه.

" يمكن أن يراجع ذلك من مسيرة فلسفية 13 ـ 16 "

إن الصحة النفسية يمكن أن تفهم من القرآن، يمكن أن تكون بعملية تغيير ما بالأنفس، أي التصورات والأفكار العميقة والسطحية الشعورية واللاشعورية، وهذا التغيير وظيفة البشر، (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ويتحدث القرآن عن طبيعة النفس فيقول: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) طبيعة النفس من صنع الله، فهي ملهمة للفجور والتقوى (إنها إمكانية)، ولكن تحويلها الى تزكية أو تدسية، فهي عملية اجتماعية بشرية وتاريخية.