السلطة والمعرفة في ضوء الشعور واللاشعور

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

كن كابن آدم


Kunkabkadm.cover.gif
انقر هنا لتحميل الكتاب
مقدمة وتمهيد
المقدمة
تمهيد
الفصول
الفصل الأول: السلطة والمعرفة
الفصل الثاني: الخوف من المعرفة
الفصل الثالث: قراءتان للقرآن
الفصل الرابع: الغيرية والجنون الأعظم
الفصل الخامس: الإنسان والتاريخ
الفصل السادس: في دلالات آية الوحدة الأوروبية
الفصل السابع: مذهب الرشد، مذهب ابن آدم والأنبياء


ما هو تأويل قولنا السلطة والمعرفة شيء واحد؟ وما هو تفسير الانفصال الذي نراه بينهما؟

هل أستطيع أن أقول لك: إن السلطة ثمرة المعرفة، ثمرة نوع خاص من المعرفة؟، ولكن هل المعرفة أنواع؟

نعم يا أخي! المعرفة أنواع، هناك علم راسخ،وهناك علم غير راسخ، هناك علم شعور، وهناك علم لاشعور.

أظن أن هذه النقطة بحاجة إلى مزيد من التأمل والشرح والتحليل والتفكيك، دعني أشرح لك الشعور واللاشعور قليلاً.

إن اللاشعور هو شعور سابق، وقد تحول إلى لاشعور، وأحاول أن أبين ذلك فيما أسوقه لك:

إذا حاولنا أن نفهم قوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) الذاريات: 51/23، فإننا نسأل: ما هذا الـ (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)؟ ماذا يحدث حين ننطق؟ وكيف صرنا ننطق؟

أظن أن فهم هذا الموضوع يحتاج إلى تأمل وعودة إلى الوراء لمعرفة الكيفية التي صرنا بها ننطق بيسر وسهولة.

إن وراء هذا النطق السهل الميسور لاشعور يسير سلوكنا اللفظي، الذي كان في السابق شعوراً، وقد تحول برسوخه إلى لاشعور، ولذلك صرنا نتحدث دون أن نفكر، وبإمكاننا أن نستوضح السلوك الشعوري واللاشعوري، بمقارنة حالة الإنسان الذي يتحدث لغته الأصلية، والإنسان الذي يتعلم لغة جديدة، بأفعالها وأسماءها وقواعدها النحوية وقواعد تركيب الاسم والفعل والإخبار والاستفهام والنفي والإثبات …

هذه الأشياء تحدث أمامنا، ونمارسها عملياً، أحياناً نتعلم النطق السليم بدون دراسة القواعد، وأحياناً ندرس القواعد، حتى إنه في كثير من الأحيان يصعب علينا تطبيق القواعد التي نعرفها، وأنا بالذات على الرغم من أنني تخصصت في قواعد اللغة العربية؛ أشعر أنني لم استطع أن أحول هذه القواعد إلى اللاشعور، ولهذا أَلْحن في الأعراب، ومن هنا قال لنا أساتذتنا: « النحو صنعتنا، واللحن عادتنا »، والذين يبحثون موضوع اللغة العربية يقولون عنها: إنها لغة الأم، لأن لغة الأم تؤخذ سليقة بدون دراسة قواعد.

إن تشبيه الله سبحانه وتعالى للإيمان والكفر، ومظاهر الكون والطبيعة، وآيات الأرض والسماء، بقوله: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) الذاريات: 51/23، هذا التشبيه فيه دلالة كبيرة ينبغي أن نعيها.

إذا عرفنا ماذا حدث وماذا يحدث حين ننطق، وكيف يحدث النطق بسهولة ويسر، وكيف نستخدم الألفاظ في النطق، وما العلاقة التي تربط الألفاظ بالمعاني، وكيف تترسخ المعاني لدى الإنسان، وكيف ينفصل السلوك عن الإيمان، وكيف يصير الإنسان يقول مالا يفعل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) الصف: 61/2، وما علاقة هذا العلم الراسخ والعلم السطحي، إذا عرفنا هذه الأمور فإننا نستطيع أن نصل إلى الحق: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).

إن الإنسان الذي يحاول تعلم ركوب الدراجة الهوائية يعاني كثيراً في بداية تعلمه، والمشكلة التي يعاني منها هي الكيفية التي تحفظ له توازنه، ولكنه بعد أن تترسخ لديه هذه المهارة يستطيع أن يثق بلا شعوره، ويمكنه أن يتحدث دون أن يكون قلقاً من مشكلة توازنه.

هذا الذي يحدث عند تعلم ركوب الدراجة الهوائية؛ هو الذي يحدث عند تعلم قيادة السيارة، أو الكتابة على الآلة الكاتبة، وهو الذي يحدث معنا في موضوع اللغة، ففي كل هذه الأحوال يتحول الأمر من الشعور إلى آليةٍ فوق الشعور، أي إلى اللاشعور، وبهذه الطريقة تعمل أعضاء كثيرة من جسم الإنسان آلياً وبدون تدخل واعٍ منا: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) الذاريات: 51/21.

أنا لست ماهراً في سوْق الأمثلة، وإلا فهناك أمثلة أسهل وأقرب منالاً وتأويلاً، وهذا هو الفرق بين العلم الناجح والمعلم الذي يتعب ويُتعب التلميذ دون طائل، والمتمكن من شعوره ولا شعوره، والذي يتمتع بانسجام بينهما هو الذي يعمل عملاً سوياً: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟) الملك: 67/22.

إن الشعور واللاشعور حين يتناقضان يحدث المرض النفسي، وحين ينفصل الشعور عن اللاشعور يحدث النفاق والكذب، ولكن في صورة الحق، لأن شعور الإنسان عندها لا قدرة له على فهم الواقع الماثل أمامه، ولعل هذا يتوضح بقول الشاعر:

ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى عدواً له ما من صداقته بدُّ

كيف نحل هذه الإشكالية؟ كيف نخرج الإنسان من حالة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) البقرة: 2/11-12؟ كيف نرده إلى الحالة السوية؟ وكيف نخلصه من (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فاطر: 35/8؟ كيف نخرجه من (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الكهف: 18/104.

إن السعي لإيجاد حلٍّ لهذه الإشكالية هو الذي يدفعني لأن أكتب هذا الكتاب، وهو الذي دفعني قبل ثلاثين سنة إلى كتابة كتاب: (مذهب ابن آدم الأول)، ولكن ما صلة هذه الإشكالية بالعلاقة بين السلطة والمعرفة، بين العلماء والأمراء؟ أين الخطأ؟ أين الخلل؟ هل الخلل في الحدث الواقع أمامنا، أم في الصورة اللاشعورية القديمة الخاطئة التي تتحكم بنا؟

إننا لم نكشف القانون والآلية التي تجعل من الإنسان منسجماً في شعوره ولا شعوره، ومتجهاً في سعيه نحو الأنفع والأدوم.

إن السياسة مرتبطة بالقوة، وإن العلم مرتبط بالفهم، والعلم هو الذي ينبغي أن يكشف قانون السلطة بمراقبتها وتحديد آلياتها، وإذا فهمنا الآليات، فإن العلم ينبغي له أن يسخر القوة، فالكهرباء مثلاً، كانت تصعقنا، ولكن حين كشفنا قوتها، وآليات تحكمنا فيها، سخرناها لصالحنا بعد أن كانت تتحكم بنا، فالكهرباء ليس من طبيعتها أن تخدم الإنسان؛ بل نحن الذين نستطيع أن نستخدمها.

في الواقع؛ إن التفكير في شيء لم يفكر فيه من قبل أمر صعب جداً، ومن عادة الناس عوام وعلماءً أن يظنوا أمن كل المشكلات قد حلت، وأنه لا توجد مشكلة قابلة للحل، إلا أناساً نادرين من أصحاب الفضول الذين لديهم هوس في التفكير في اللامفكر فيه، أو في التفكير فيما لا لم يسمع الناس به من قبل.

إن عدم السماع يحمي المسموع، عدم السماع بالصواب يحمي الخطأ المسموع به والمعاش، ويجعل التفكير الجديد صعباً جداً، إلى درجة أن توماس كون قال: « إن الفكرة الجديدة لا يمكن أن تنتشر في جيلها، بل في الجيل الذي بعده »، ولعل بعض سلفنا قد تنبهوا إلى هذا الشيء حين قرّروا أن العادة المعاصرة حرمان، فنحن مثلاً قد نتبنى فكرةً عُذب صاحبها من اجلها في زمانه، ومات في السجن لأنه أعلنها، بينما نأخذها نحن بسهولة ويسر، وهذا يشعرنا أحياناً بمأساة طول الزمن الذي تستغرقه الأفكار الجديدة بين نشأتها وقبولنا بها.

قد نقبل الأفكار الجديدة في التقنيات المادية (التكنولوجيا)، ولكننا نجد صعوبة في قبول التقنيات الجديدة في علم الاجتماع، وفي العلاقة بين السلطة والمعرفة في المجتمع، هذه التقنيات التي تقلب النظريات القديمة لا نقبلها بسهولة، ولذلك لا تتحول إلى اللاشعور عندنا، ولا يتحول الشعور إلى اللاشعور، لا يتحول العلم إلى الرسوخ.

ونعود إلى موضع السلطة والمعرفة، ما هو الشيء الخفي الذي لم يُسمع به من قبل في العلاقة بين السلطة والمعرفة؟!

إذا فهمنا العلاقة بين الشعور واللاشعور فبإمكاننا أن نفهم العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبإمكاننا أن نضع السلطة مع اللاشعور، والمعرفة من الشعور.

السلطة عندنا تتبع اللاشعور، ولا تتبع الشعور، لأن شعورنا لم يترسخ بعد، ولم ينسجم مع المفهوم الجديد للسلطة ولا زال المفهوم القديم المترسخ هو الذي يصنع السلطة عندنا.

إن المفهوم الجيد للسلطة لم يتعمق، ولم يتحول إلى اللاشعور، ولذلك فهو قلقٌ وسطحي، ولا نعرف حتى التكلم بلغة المفهوم الجديد؛ فضلاً عن أن نكون بليغين فيها، وأن تصير لنا سليقة نقول بها الشعر والأدب، ومثال ذلك أن معرفتنا بالديمقراطية لم تدخل بعد في وعينا، فضلاً عن أن تتحول إلى الأعماق واللاشعور، وعليه فإن السلطة غير متفقة، ولا علاقة عضوية لها مع الديمقراطية، أي لا علاقة بين السلطة القديمة المترسخة والسلطة الجديدة القلقة الهشة، والتي لم يشتد قوامها بالرسوخ بعد.

ولهذا نقول: إن علمنا متخلف عن سلطتنا، ولو أن علمنا تعمق لتحولت السلطة، ولاتَّبعت علمنا، ولكن هل يمكن لنا أن نقول: إن إيماننا أيضاً لم يبلغ درجة الاطمئنان؟ وأننا كإبراهيم الذي لا يزال يريد أن يطمئن قلبه، ويريد أن يرى مصداقية العلم الجديد: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) البقرة: 2/260، فَدلّه الله على شيء يطمئن قلبه، يرفع مستوى إيمانه، ولكن كيف يمكن لنا أن نرفع من مستوى إيماننا؟ كيف نجد الدلالة على إمكانية إحياء الرشد الذي مات منذ زمن غير قريب؟ ربَّ أرني كيف تحيي الرشد الميت!!!..

أيها القارئ النهم القلق الحريص المتتبع: انتبه إلى ما سقته إليك، وإن لم أكن بليغً في كشف وتحليل وتفكيك الموضوع.

إنني أشعر أنني استطعت أن افتح نفقاً أو ثقباً إلى عالم يمكن اقتحامه، وأنا أهيب بالشباب أن يقتحموا الصعاب، ليجدوا الحل ويمسكوا بالأسباب ويسخروا ملكوت السموات والأرض:

أيْقِظْ قدرة الخالق فيكَ!

انتبه إلى هذه النقطة: لماذا لم يتحول علمنا إلى يقين بعد؟ ولماذا لا زال اليقين القديم يحكم العلم الجديد الذي يفقد الطمأنينة؟

الذي أريد أن أقوله هو أن السلطة كآلية لازالت تابعة للعلم ومتولدة عنه، فالعلم هو السلطان، والعلم الذي لا سلطان له هو العلم القلق الذي لم يقف على قدميه بعد، فلا يغرنك تقلب العلم القديم في البلاد، لأنه إذا جاء العلم الراسخ المطمئن فستتحول السلطة إليه حالاً.

كأن لسان حال السلطة يقول للعلماء: لا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما كان لي عليكم من سلطان، إلا أنكم لم تحصلوا العلم المطمئن، ولو فعلتم لسعيتم إلى خدمتكم بدل خدمتكم لي، عن علمكم أضعف وأقلُّ رسوخاً، إنكم تخافون سلطة منسوخة فات أوانها، ولم تمتلكوا سلطة العالم الجديد، لذلك خفتم العلم المنسوخ وكيف أخاف علمكم الهش، ولا تخافون من أنكم تنتسبون إلى ركن واهن ليس له قوام؟!

مقدمة الكتاب الفصل الأول: السلطة والمعرفة الفصل الثاني: الخوف من المعرفة
الاختصاص والمؤسسةالعلم والعملاللغة وحفظ التجاربهل السلطة هي المعرفةالسلطة والمعرفة في ضوء الشعور واللاشعورالسلطة وعلاقتها بقوة الجسد وقوة العلممفهوم التغيير كما يطرحه الأنبياءالنزاع الفكري والنزاع الجسديرحلة الارتقاء الإنسانيالأنبياء وحرية الفكرالشعور بالأمن والثقة بالأفكارإبراهيم وسقوط مرجعية الآباءالعدل وفصل معترك الأفكار عن معترك الأجسادالإسلام و(لا إكراه في الدين)لا طاعة في معصيةالإلهي السماوي والسفلي الأرضيالإيمان والظلمالإيمان ومذهب ابن آدم الأول