الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


والأمر الذي يجب أن نوليه اهتمامنا هو واجب التغيير الذي يخصنا ، كقوم وكمجتمع .

هذا التغيير الذي ينبغي أن نقوم به ، يتعلق بما بالأنفس . وهنا نواجه وجهاً لوجه ، مشكلة الإنسان بكل ثقله وبكل تبعاته ، نواجه مشكلة مستقبله وتاريخه ، مشكلة تخلفه ورقيه . فلقد منح الله الإنسان القدرة على أن يغير ما بنفسه وينتقل من حالة إلى حالة أخرى .

انتقال الإنسان إلى الأفضل هو الأمانة

والانتقال من الحالة الدنيا إلى الحالة العليا ، هو المقصد من الأمانة التي جاء ذكرها بقوله تعالى :

« إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً » الأحزاب - 72 - .

ظلموماً إن فهم هذا ولم يعمل به . وجهولا إن ظل قانعا بجهله دون أن يتعلم وهو يستطيع أن يتعلم لو أراد . وعلينا أن ننظر إلى المجتمع على أنه كائن له كيانه الخاص به ، له ذكاؤه وله اجتهاده ، لأن مصيره ومستقبله كمجتمع في هذه الحياة ، متعلق بمقدار تهيئة نفسه للقيام بهذه المهمة ، مهمة تغيير ما بالأنفس . من هنا يتبين لنا أن الجهد المجدي للبشر ، في محاولتهم تغيير المجتمع من الشر إلى الخير أو بالعكس ، منطلقهُ الأنفس .

القرآن اهتم بموضوع التعامل مع النفس ولم يهتم بكشف حقيقتها

ولكن ما هذه الأنفس ؟

إن القرآن الكريم لم يهتم بكشف الحقيقة عن كنه النفس ، لأنه على ما يظهر ليس محل جدوى ، إنما اهتم بموضوع التعامل مع الأنفس لتغيير ما بها .

وهنا يرد التساؤل : هل بالنفس شيء ابتداءً ؟ أم يوضع فيها كل شيء ؟ وكيف يرفع ما بها ؟ وكيف يستبدل بغيره ؟ وما مقدار الصعوبات التي تقابل الإنسان في هذا المجال ؟

إن الله تعالى يقول عن الإنسان إنه يستطيع أن يزكي النفس وأن يدسيها :

« قَدْ اَفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَد خَابَ مَنْ دَسَّاهَا » الشمس – 10 - .

فما هي مبادئ تَزكيةِ النفسِ التي تَجلبَ الفَلاحَ ؟ وما عوامل تدسية النفس التي تجلب الخيبة ؟

على حسب ما يظهر ليس في النفس ابتداء ، إلا القابلية للفجور والتقوى ، وهذا هو الخلق العجيب الصنع ، الذي أبدعه الله تعالى على هذا الاستعداد العظيم من القابلية للفجور والتقوى . يقول الله تعالى في هذا :

« وَنفسٍ وَمَا سَوَّاها فَألهمَهَا فُجُورها وَتَقْواهَا » الشمس - 8 - .

إن الله خلق النفس وسواها تسوية عجيبة فألهمها فجورها وتقواها ، هذه التسوية وهذا الإلهام من عمل الله تعالى ، ثم قال :

« قَدْ أَفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا » .

هذا العمل عمل الإنسان ، إن الله نسب التزكية والتدسية للعبد ، ونسب التسوية والإلهام للفجور والتقوى له سبحانه . وما نُسب إلى العبد كذلك ، إنما باقدار منه تعالى بمنه وكرمه .

وقوله تعالى :

« حَتَّى يُغَيِّروُا مَا بِأَنفُسِهِم » .

يفيد أنه يمكن أن توضع في النفس الأفكار ابتداء ، كما يمكن أن يرفع ما فيها من مفاهيم ويوضع فيها أخرى ، وهذا أهم ، في عملية التغيير ، من إنشاء الأمر ابتداء ، ومع ذلك أسند الله للبشر هذه القدرة في إزالة المفاهيم واستبدال غيرها بها .

وجدير بنا أن نعمل الفكر والنظر في هذه المهمة المنسوبة للبشر وعلينا أن نبصر ونتبصر ، والله تعالى يقول لنا :

« وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ » الذاريات – 21 .

وكيف لا نولي هذا الموضوع اهتمامنا . وهو مشكلة المسلمين ، بل ومشكلة البشر عامة ، لأن الأمر ليس بناء النفس الآن ابتداء لأنها لم تعد على الفطرة ، بل هي في حاجة إلى هدم ثم بناء في آن واحد ، فإن مواريث القرون الماضية قد غمرت النفوس بكثير من الآصار والأغلال ، فلا بد من إزالتها ، وأن يحل محلها غيرها . كما لابد من إعادة الصفاء والوضوح للنفس حيث تراكم عليها الصدأ والرين :

« كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » المطففون – 14 - .

فلم تعد تقدر على أداء مهمتها ، بل هي تقوم بمهمة العطالة .

إن النفس في أصلها سليمة ليس فيها إلا الاستعداد ، مسواة وملهمة فجورها وتقواها ، إلا أن بعض الأفكار تطرأ على الأنفس في وقت مبكر جداً ، في عهد الطفولة الأولى ، فتنزل إلى أعماق النفس لتقوم بدورها في صياغة سلوك الإنسان . وفي هذا الصدد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه » والعقائد المذكورة في الحديث والأبوان ليست للحصر ، إنما الأمر يشمل كل عقيدة ، وكل وسيلة ومؤثر ، لإعطاء عقيدة أو فكرة .

معنى الفطرة

ومعنى الولادة على الفطرة، هو المعنى الموجود في قوله تعالى: « ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها » : الشمس 7-10 . وليس معناه أنه يولد مسلماً ، فهو يولد مسلماً بالاستعداد ، أما تحويله إلى مسلم بالفعل ، إنما يكون بعملية تزكية النفس ، لام الإنسان الوليد لو ترك وشأنه منعزلاً لما صار مسلماً ، بل جعله مسلماً أيضاً في حاجة إلى عمل البيئة والأبوين ومن يقوم مقامهما كما هو مشاهد .

ومعنى الفطرة بشكل أدق ، هو استعداد للميل إلى الحق ، وهذا الاستعداد يجعله يختار الحق ، حين تترك له حرية الاختيار ، على ألا يلحق هذا الاستعداد تشويه .

فإذا عُرض أمران على شخص خالي الذهن ليس عنده هوى سابق ، فانه يميل بفطرته إلى الحق ، فلو عرض السلام وغيره من العقائد ، على إنسان خالي الذهن ليس عنده مواريث سابقة ، فإنه يختار الإسلام ، كما هو مشاهد في مجالات التبشير وحوادث التحولات إلى الإسلام .

ولكن معنى خلو الذهن من المؤثرات أمر دقيق . وهذا دليل على أن النفس التي تأثرت بالمؤثرات السابقة لم تعد على الفطرة ، وفي هذا المعنى حديث مسلم : « إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم » .

ولابن تيمية بحث عن الفطرة قال :(1) « والعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها . وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ويمرضها فيرى الحق باطلاً » . وقال أيضاً « والناس إذا تنازعوا في المعقول ، لم يكن قولُ طائفةٍ منها ، مذهبٌ حُجَّةً على الأخرى ، بل يُرْجَعُ في ذلك إلى الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوى »(1) .

وقال في مكان آخر « والله خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه . فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشرعة المنَّزلة . وهؤلاء الفلاسفة بدَّلوا وغيروا فطرة الله وشرعته ، خلقهُ وأمرهُ »(2) .

وفي الأساس للزمخشري .. « فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها – وكل مولود يولد على الفطرة – أي على الجبلة القابلة لدين الحق » .

مواضيع ذات صلة