أين الشارع العربي؟

من Jawdat Said

اذهب إلى: إبحار, بحث

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

كثر الحديث عن الشارع العربي منذ إنتفاضة القدس، ويخشى البعض أن تتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه. ما معنى مصطلح "الشارع العربي"، وإلى أين ستتطور الأمور، وما الذي لن تحمد عقباه؟

الجميع يخافون من الشعب الذي في الشارع، الشارع العربي الذي يحيط به الغموض والجهالة والظلام. والخلاصة أن الشارع العربي موضع شد وجذب من كل الأطراف. كان صدام يراهن على الشارع العربي أثناء أزمة الخليج فكان يقول موجهاً خطابه إلى رئيس مصر "الشارع العربي معي وليس معك"، وهذا الكلام ظل نكتة في قلب رئيس مصر حتى كان قصف أمريكا للعراق بعد ذلك ببضع سنين في رمضان، وخرجت المظاهرات في البلاد العربية فلم ينس الرئيس المصري، حسني مبارك، الذي يدعى الأخ الأكبر للعرب جميعاً، أن يقول في هذه المناسبة موجهاً الخطاب للرئيس العراقي: "لا تظن أن هذه المظاهرات خرجت من أجلك فهي ليست من أجلك وإنما من أجل الشعب العراقي".

وحتى عندما يستجيب حاكم عربي للشارع العربي لا ترضى القوى الكبرى. فقد صرح سلمان بن عبد العزيز في زيارة له في واشنطن بأن للشعوب رغبات لا يمكن تجاهلها إلى ما لانهاية. وكان ولي عهد الأردن أثناء حرب الخليج يقول: لماذا حين تنفذ أمريكا والعالم الغربي رغبات شعوبها تكون استجابتها تحرراً وإنسانية وديمقراطية وعالماً حراً…؟ ونحن إذا استجبنا لرغبات شعوبنا نكون رجعيين وضد كل القيم الإنسانية التي يمثلها الغرب؟ إن مثل هذا التصريح داخل في الصراع العالمي بين المستكبرين والمستضعفين.

والآن يطرح شعار "الشارع العربي"، فما هذا الشارع العربي؟ وما هي حقيقة أمره؟ وهذا يذكرني بالقصة التي نقلتها فاطمة المرنيسي، الكاتبة المغربية، عن عمتها التي سألت وهي تسمع نشرة الأخبار في التلفزيون: ما هذه الديمقراطية التي يتحدثون عنها؟ هل هي جزيرة في المحيط أوجبل في الأرض أومضيق بين بحرين؟

إن الحداثة الحقيقية حدثت في العالم منذ أربعمائة سنة وأكثر وربما منذ أن عبر المستكشفون المحيط الأطلسي إلى العالم الجديد، أمريكا، في محاولة للتأكد الفعلي من كروية الأرض وإمكانية الذهاب من إسبانيا إلى الهند غرباً. هذه المغامرة كانت نتيجة لمغامرات سابقة بأربعمائة سنة على هذا العبور للأطلسي. فبعد الحروب الصليبية وهزيمتهم في معركة حطين عقد الأوربيون مؤتمرا وتساءلوا، لماذا انهزمنا وطردنا من مهد المسيح، وقرروا أنه لا قدرة لهم على الإجابة على هذا، ولكنهم اتخذوا قراراً بأن يوجهوا شبابهم الأذكياء إلى دراسة لغات العالم وعلومها. فكان هذا التوجه بدء الحداثة والإعتراف بقيمة المعرفة. ونتج عن هذا الحركة الإصلاحية التي وصلت إلى الثورة الفرنسية، التي انتهت إلى الديمقراطية.

كان التحول الاجتماعي أكبر من التحول الفلكي. فكما حصل إنقلاب في تصور الأرض والشمس وإنتقال المركزية من الأرض إلى الشمس كذلك حصل إنقلاب في إنتقال المركزية من الملوك والزعماء إلى الشعوب التي أصبحت تتخذ القرار وهي تمسك بزمام الذين يتخذون القرار. ولكن الانقلاب السياسي والاجتماعي الذي أدى إلى الديمقراطية عندما تحولت الإرادة الإنسانية إلى الشعوب لم يكن انقلابا وتحولا من شخص إلى آخر، وإنما كان انقلابا من مفهوم قديم للإنسان إلى مفهوم آخر جديد، كان تحولا من تصور إلى آخر. وإذا أردنا أن نكون دقيقين أكثر فإن التحول الذي حدث كان هو الإنتقال من تقويم الإنسان بالإكراه إلى استخدام إمكانات الجهاز العصبي الذي عند الإنسان بالإقناع. وهنا نكشف القانون الإنساني الأكبر وهو أن الإنسان يعطي أفضل ما عنده بإقناعه وليس بإكراهه سواء كانت أداة الإكراه كبيرة أو صغيرة. إني تيقنت من أن ابن آدم الذي لجأ إلى العنف هو الفاشل والذي تقبل ونجح في عمله هو الذي قال: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك". هذه الرواية هي التي تشهد لمستقبل الإنسان الذي سيخرج من الفساد وسفك الدماء. هذا علم الله في الإنسان، وليس في العرب أو المسلمين أو اليهود أو النصارى.

الشارع العربي الآن يعبر عن تصوراته ورغباته في المكالمات الهاتفية عندما يتصل الناس بالفضائيات ليقولوا كلمتهم مع المفكرين والمحللين للأحداث الآنية. ونرى في هذه الاتصالات أخطاء تصورات الشارع العربي. فالعرب ما يزالون يتصورون أن المشكلة في الزعماء فقط. نحن لا نزال في مرحلة ما قبل الديمقراطية وما قبل الثورة الفرنسية. ما يزال الشارع في مرحلة الحقد الأسود والكراهية الحمراء للزعماء ولا قدرة لنا على تصور الموضوع بشكل أعمق. هذا كله مبني على فكرة الكراهية والإكراه. الكراهية هي الغيظ في القلب عند تصور المشكلة، والإكراه هو ظن أن الحل بالعنف، بمذهب ابن آدم الفاشل. أما الخروج من هذا التصور فيجب أن يتم في مراحل، أن نخرج من الإكراه والكراهية، أن نخرج من التصور الأولي في القلب، وأن نخرج من حل المشكلة بالعنف وبالإكراه، لأن الكلام يعبر عن هذا التصور، فالذي في القلب يتكلم به اللسان، ولأنه وفق هذا التصور تتصرف اليد وتتحرك الوسائل الأخرى للبطش.

إن الفضائيات تنقل الأحداث في حينها بالصورة الملونة وتتابعها بالتحليلات. والشارع العربي عين وأذن، يسمع ويرى. وإذا وعى الإنسان يكون سيد الموقف كما يقول إقبال عن المؤمن بسنن الله أنه (جارحة) القدرة الإلهية لتنفيذ إرادة الله. فهو الذي أوكل الله إليه قدرة تغيير ما بنفسه حتى يغير الله بعد ذلك السلوك، فإذا غير الإنسان ما بنفسه يتغير سلوكه تلقائيا. ونصر الله وتأييده متعلق بقدرة البشر على رؤية وتحليل الإنسان لما يراه. ما يزال العرب يؤمنون بالقوة وما يزال الغربيون يستغلون هذا الإيمان بالقوة عندما يبيعون السلاح للشعوب العربية بأثمان باهظة، ويتهمونهم بالإرهاب بينما هم يمارسون الإرهاب بطريقة أخرى.

إن ابني آدم كانا يمثلان الفكر البشري بنوعيه خلال التاريخ: الذي يحل المشكلات بالعنف، والذي لا يحل المشكلات بالعنف. إن قول ابن آدم "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك" يساوي "لا إكراه في الدين". يعني أنا متدين وديني لا إكراه فيه لا باليد ولا باللسان ولا بالقلب، إني بريء مما تشركون، أؤمن بعقل الانسان وبفكر الانسان وبتدبر الانسان ولا أشرك بالله أحدا. هذا معنى "لا إكراه في الدين.

القوة أبطلت نفسها بنفسها حين بلغت إمكانية الدمار فناء البشرية، ولم يبق إلا العقل الإنساني الذي لا يستقيم بالإكراه. وسأختم كلمتي بضرورة التمكن من قراءة العالم الذي آمن بعقل الإنسان ودخل عهد "لا إكراه في الدين"، وصار مطلباً بشرياً في كل دساتير العالم.

في هذا الشهر قتل نحو مئة وخمسين إنساناً في فلسطين على أيدي اليهود، وفي الجزائر قتل عدد مساو لذلك. المشكلة ليست في الاستعمار الطارئ. المشكلة هي في تصورنا للعالم. مائة ألف جزائري قتلوا يأيدي الجزائريين بعد أن طردوا المستعمرين والمستوطنين الفرنسيين. كيف نفهم هذا؟ ليس فينا من يتمكن من فهم مشكلة الشارع العربي، أعني من فهم مشكلة الانسان العربي.